ما الذي يؤجج الصراع المستمر بين كوسوفو وصربيا؟ حقوق الصورة محفوظة لموقع الجزيرة

ما الذي يؤجج الصراع المستمر بين كوسوفو وصربيا؟

2022-12-29 11:12 | اخر تعديل : 2022-12-29 19:12


أعلنت كوسوفو أمس الأربعاء غلق المعبر الرئيسي على الحدود مع صربيا، واتهمتها بالسعي لزعزعة استقرارها بعد وضع بلغراد قواتها في حالة تأهب.


أعلنت كوسوفو أمس الأربعاء غلق المعبر الرئيسي على الحدود مع صربيا، واتهمتها بالسعي لزعزعة استقرارها بعد وضع بلغراد قواتها في حالة تأهب.
وتأتي التطورات المتسارعة على خلفية الاحتجاجات المتواصلة للأقلية الصربية في الإقليم الصربي السابق.
الجزيرة نت تلقي الضوء من خلال سؤال وجواب على الأسباب التاريخية للصراع المتجدد بين كوسوفو وصربيا، والسيناريوهات المحتملة في المستقبل للوضع المتوتر بين البلدين.
يبلغ عدد سكان كوسوفو نحو 2 مليون نسمة، يعيشون على مساحة من الأرض تبلغ 10 آلاف و887 كيلومترا مربعا.
وأكثر من 90% من سكان كوسوفو ألبان مسلمون، في حين لا يتجاوز عدد الصرب الأرثوذكس 5% من السكان، وكلهم في الشمال على الحدود مع دولة صربيا. (بناء على تلك الإحصاءات فإن كوسوفو تأتي في المرتبة الثانية بعد تركيا من حيث نسبة عدد السكان المسلمين في الدول الأوروبية).
ورغم أن انتماء الكوسوفيين إلى قوميتهم الألبانية أقوى من انتمائهم إلى الإسلام، فإنهم يعتزون كثيرا بأنهم مسلمون، وتنتشر المساجد في كل أنحاء البلاد، ويبلغ عددها نحو ألف مسجد، منها مساجد تاريخية وأشهرها مسجد سنان باشا بمدينة برزرن، والمسجد السلطاني في العاصمة بريشتينا.
كما تنتشر الكتاتيب والمدارس الدينية في أنحاء البلاد، لتعليم النشء أسس الدين الإسلامي، وتأسست عام 1992 أول جامعة إسلامية في بريشتينا العاصمة.
وينص دستور كوسوفو على أن الألبانية والصربية هما اللغتان الرسميتان للدولة، إلا أن ما يقرب من 95% من المواطنين يتحدثون الألبانية بوصفها اللغة الأم، ويحرص صرب كوسوفو على استخدام اللغة الصربية في الحديث وفي وسائل الإعلام.
بالنظر إلى التركيبة العرقية والثقافية لكوسوفو، وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف الاقتصاد وندرة الموارد (تعد كوسوفو أفقر دولة في يوغسلافيا السابقة)؛ فلن نجد مبررا لأطماع الصرب ومحاولاتهم الدائمة لضم كوسوفو لدولة صربيا، لكنه في الحقيقة الموقع الجيوسياسي، حيث تعد كوسوفو البوابة الجنوبية لدولة صربيا في اتجاه دولة ألبانيا، وبالتالي تعدها صربيا امتدادا لأمنها القومي الإستراتيجي، كما أن هذا الموقع جعل كوسوفو محلا لأحداث جسيمة لا يمكن محوها من الذاكرة الصربية.
وشهدت كوسوفو معركتين كبيرتين (كوسوفو1 وكوسوفو2) بين الجيوش العثمانية وجيوش الصرب وحلفائهم؛ أسفرتا عن إلحاق هزائم موجعة بالصرب، وعلى رأسها مقتل الأمير الصربي الشهير لازار هيربليانوفيتش، المعروف عند الصرب بالإمبراطور لازار (في 15 يونيو/حزيران 1389)، وأدت هذه المعارك إلى سيطرة العثمانيين على صربيا وباقي دول البلقان لمدة 500 عام.
وحرص الصرب خلال محاصرتهم مدينة سراييفو البوسنية إبان الحرب البوسنية (1992-1995) على إحياء ذكرى مقتل الإمبراطور لازار كل عام بقصف المدينة بآلاف القذائف والصواريخ.
تغيرت تبعية كوسوفو كغيرها من دول البلقان بتغير القوى المسيطرة على المنطقة، فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أصبحت كوسوفو ضمن مملكة يوغسلافيا، وخلال الحرب العالمية الثانية تم ضمها إلى ألبانيا التي كانت تحت الاحتلال الإيطالي.
ولأن الحرب انتهت بانتصار الحلفاء، وتولى الجنرال جوزيف تيتو حكم يوغوسلافيا الاتحادية، فقد أعيد ضم كوسوفو إلى يوغوسلافيا، ووافق تيتو سنة 1947 على منح كوسوفو حكما ذاتيا ضمن إطار اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية.
وبعد وفاة تيتو، وفي يونيو/حزيران 1989، قام الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش بزيارة كوسوفو، وألقى خطبة نارية شهيرة، ذكّر فيها الصرب بمعركة كوسوفو، وطالبهم بألا ينسوا ما حدث قبل 6 قرون، ثم أعلن إلغاء الحكم الذاتي لكوسوفو.
بدأ الكوسوفيون نضالا سياسيا سلميا للمطالبة بالاستقلال، وشجعهم على ذلك استقلال بعض مكونات يوغسلافيا السابقة، بدءا من سلوفينيا وكرواتيا، ومرورا بمقدونيا والبوسنة.
قاد النضال حزب الاتحاد الديمقراطي الألباني برئاسة الأديب والأكاديمي الألباني إبراهيم روغوفا، الذي انتخبه الكوسوفيون في مايو/أيار 1992 رئيسا لجمهورية كوسوفو المعلنة من طرف واحد.
تعرض ألبان كوسوفو لاعتداءات متتالية من قبل الصرب، فكونوا مليشيات عسكرية تحت اسم "جيش تحرير كوسوفو" بقيادة "آدم ياشاري"، وبلغ الأمر ذروته سنة 1998 عندما قام الجيش الصربي بارتكاب مجازر وحشية ضد المدنيين الألبان.
في مارس/آذار 1999، شنت قوات الناتو هجوما على يوغسلافيا (صربيا والجبل الأسود) استمر 78 يومًا لوقف الحرب في كوسوفو.
انتهت الحرب بعد انسحاب القوات الصربية تحت ضربات حلف الناتو، وقادت الولايات المتحدة الأميركية إجراءات أممية (عسكرية وإدارية) بهدف إعادة ترتيب الأوضاع في كوسوفو، تمهيدا لإعلانها دولة مستقلة، وهذا ما حدث بالفعل.
في 17 فبراير/شباط 2008، أعلن البرلمان استقلال دولة كوسوفو، وكانت الولايات المتحدة الأميركية أول من اعترف بالاستقلال، تبعها عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وتركيا والسعودية والبحرين واليمن والإمارات. لكن صربيا رفضت الاستقلال وتمسكت بأن كوسوفو جزءا من الدولة الصربية. وبعد وساطات أميركية وأوروبية، وضغوط اقتصادية، وافقت صربيا على توقيع "اتفاق بروكسل" الذي تعمل صربيا بموجبه بتطبيع علاقاتها مع كوسوفو، لكنها لا تعترف باستقلالها بشكل رسمي.
في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أصدر البرلمان الكوسوفي قانونا يمنع استخدام لوحات أجنبية للسيارات، ويلزم جميع السكان بوضع لوحات سيارات معتمدة من الحكومة في بريشتينا، وأعطى مهلة حتى 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لتنفيذ القرار.
رفض الصرب القانون، وقاموا بإجراءات تصعيدية، وقدم مسؤولون صرب استقالات جماعية من كل الوظائف العامة، في حين أعلن رجال الشرطة من الصرب العصيان المدني، وقاموا بخلع زيهم الرسمي بحضور الصحفيين وأمام الكاميرات.
وقبلت الحكومة في بريشتينا الاستقالات، وأعلنت إجراء انتخابات تكميلية لملء المناصب الشاغرة بسبب الاستقالات، كما خرج الصرب في مظاهرات رافضة للانتخابات، فأعلنت الحكومة تأجيلها إلى أبريل/نيسان 2023.
وأعقب ذلك قيام قوات الأمن باعتقال شرطي صربي بتهمة الاعتداء على مؤسسات الدولة، فخرج زملاؤه مطالبين بالإفراج عنه، وانضم إلى المحتجين عدد من الأهالي فقاموا بغلق الطرق بالمتاريس، ثم أغلقوا الطرق الرئيسية بالشاحنات وسيارات الإسعاف.
وطالب رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي من قوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) فتح الطرق وإلا ستقوم قوات الأمن الكوسوفية بذلك. وردا على ذلك، طالبت بلغراد الناتو بالسماح بإرسال قوات صربية لشمال كوسوفو لحماية الصرب هناك.
وكالعادة، سارعت روسيا بالوقوف إلى جانب صربيا، وصرح السفير الروسي في بلغراد بوتسان خارتشينكو بأنه "يمكن لبلغراد أن تعتمد على موسكو في ما يتعلق بالوضع في كوسوفو"، وقال أيضا "روسيا تتفهم مخاوف صربيا وسيواصل البلدان تنسيق مواقفهما بشأن هذه القضية".
وأضاف خارتشينكو أنه رغم التحديات الخطيرة التي تواجه بلاده فإنها "ستواصل المشاركة في حل الأزمات الدولية الراهنة، بما في ذلك أزمة كوسوفو".
أما المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، فقد ألقت مسؤولية تفاقم الأوضاع في كوسوفو على الاتحاد الأوروبي.
وأكدت أن الأمر بدأ في "السادس من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث عقد الاتحاد الأوروبي اجتماع قمة في ألبانيا"، مضيفة أنه "تم اعتماد إعلان تيرانا الذي يدعم تطلعات دول غرب البلقان للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".
وساوى إعلان تيرانا بين كوسوفو "الانفصالية" وصربيا، حيث ذكر أن كلتا الدولتين تقفان على المسار الأوروبي".
وتعجبت زاخاروفا من أن الاتحاد الأوروبي "يعد بلغراد بمستقبل جميل، وفي الوقت نفسه ينخرط في استفزازات ضد الصرب"، مشيرة إلى أن هذا يشبه "حفل زفاف يبدأ بالخيانة.
لا أحد يمكنه الجزم أو النفي بشأن إمكانية اندلاع الحرب في أي مكان، لكن من الواضح أنه لا أحد هنا يسعى للحرب، ولا يمكن لأحد تحمل تكلفة الحرب.
فمن ناحية تسعى كوسوفو لبناء نفسها، وتنمية اقتصادها في ظل ندرة الموارد وضعف الهيكل الإداري بالدولة.
أما صربيا، فإنها تتطلع إلى اهتمام أكبر من الاتحاد الأوروبي؛ فاقتصادها ما زال منهكا بسبب الحروب التي خاضتها أواخر القرن الماضي، ونتيجة للظروف العالمية المحيطة، علما بأن 80% من الاقتصاد الصربي مرتبط بأوروبا.


لقراءة الخبر كامل على موقع الجزيرة


الأكثر مشاهدة :